النويري
77
نهاية الأرب في فنون الأدب
الملال من صفته ، فلذلك الشاعر جعل هذه الأوصاف من دأبهم ، ولو أضاف إلى مفعول معيّن لبطل هذا الغرض ، وعليه قوله تعالى : * ( ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ ) * إلى قوله تعالى : * ( فَسَقى لَهُما ) * فقد حذف المفعول في أربعة مواضع ، فإن ذكره ربما يخلّ بالمقصود ، فلو قال تعالى مثلا : تذودان غنمهما لتوهّم أنّ الإنكار إنما جاء من ذودهما الغنم لا من مطلق الذّود ، كقولك : ما لك تمنع أخاك ؟ فإنّ الإنكار من منع الأخ لا من مطلق المنع . الثاني : أن يكون المقصود ذكره إلا أنك لا تذكره إيهاما بأنك لا تقصد ذكره كقول البحترىّ : شجو حسّاده وغيظ عداه أن يرى مبصر ويسمع واع المعنى أن يرى مبصر محاسنه ، أو يسمع واع المعنى أن يرى مبصر محاسنه ، أو يسمع واع أخباره ، ولكنه تغافل عن ذلك إيذانا بأن فضائله يكفى فيها أن يقع عليها بصر أو يعيها سمع حتى يعلم أنه المتفرّد بالفضائل ، فليس لحسّاده وعداه أشجى من علم بأن هنا مبصرا وسامعا . الثالث : أن يحذف لكونه بيّنا ، كقولهم : أصغيت إليك ، أي أذني ، وأغضيت عليك ، أي جفنى . فصل في حذف المبتداء والخبر قال : قد يحسن حذف المبتدأ حيث يكون الغرض أنه قد بلغ في استحقاق الوصف بما جعل وصفا له إلى حيث يعلم بالضرورة أن ذلك الوصف ليس إلا له سواء كان في نفسه كذلك ، أم « 1 » بحسب دعوى الشاعر على طريق المبالغة ، فذكره
--> « 1 » في الأصل : « أو » والصواب ما أثبتنا كما تقتضيه القواعد ؛ قال في مغنى اللبيب ص 42 ط الحلبي : إذا عطفت بعد الهمزة بأو فان كانت همزة التسوية لم يجز قياسا ، وقد أولع الفقهاء وغيرهم بأن يقولوا : سواء كان كذا أو كذا ، وهو نظير قولهم : يجب أقل الأمرين من كذا أو كذا ؛ والصواب العطف في الأوّل بأم الخ .